اختتام مهرجان السودان الدولي لأفلام التحريك (أبادماك)     

القاھرة- طريق الحرير- وصال فاروق  

   

image-1183.jpeg

  اختتمت أمس بقاعة المؤتمرات بالمعهد الفرنسي بالمنيرة فعاليات مهرجان السودان الدولي لأفلام التحريك "أبادماك" في دورته الرابعة، تحت عنوان "وردة السودان"، في تظاهرة فنية وثقافية تعكس إصرار السودانيين على الحياة، وقدرتهم على تحويل المأساة إلى صورة، والذاكرة إلى فن .  

 

 شهد المهرجان، الذي استمر من يوم  28 إلى 30 أبريل المنصرم ، مشاركة أكثر من 28 فيلمًا من مختلف دول العالم، في حضور نوعي جمع بين صُناع السينما وفناني التحريك والدبلوماسيين والمهتمين بالشأن الثقافي، في مشهد يعكس مكانة هذا الحدث الذي بات يتجاوز كونه فعالية فنية ليصبح منصة دولية للحوار الإبداعي .  

وشهد حفل الافتتاح حضورًا لافتًا تقدمه الدكتور عاصم أحمد حسن، المستشار الثقافي بسفارة جمهورية السودان بالقاهرة، إلى جانب المستشار الدكتور حسام حسين، والأستاذ إبراهيم سيد حاج، مؤسس المهرجان، فضلاً عن ممثلين دبلوماسيين من سفارات البرازيل ومالطا، ومعهد جوته – فرع السودان، وبرعاية ملحق شؤون السودانيين بالمعهد الفرنسي الأستاذة كاتيا آيات، كما شهد الحفل حضور مخرج فيلم الافتتاح "العجلة الحمراء"، البرازيلي رودولفو بينوتي، وزوجته .  

image-1181.jpeg

وتولى تقديم فقرات الحفل كل من الإعلامية المصرية الدكتورة ياسمين العشري، والإعلامي السوداني الأستاذ محمد يحيى، في تناغم مهني عكس روح التعاون الثقافي بين مصر والسودان، حيث قدما الأمسية بأسلوب احترافي جذب الحضور وأضفى على الحدث طابعًا  مميزاً  

 

وافتتحت الفعالية بعزف السلام الوطني لجمهورية السودان، تلاه السلام الوطني المصري ثم الفرنسي، قبل أن يقف الحضور دقيقة صمت إجلالاً لشهداء الثورة ومعركة الكرامة، في مشهد مؤثر جسد عمق الوجدان السوداني، وقد تزينت  المسرح بصور الشهداء الذين تحولوا من مجرد أسماء إلى رموز خالدة في ذاكرة الوطن، حيث حضرت أسماؤهم كأرواح تضيء المكان: عزام عبد الجليل، عثمان مكاوي، محمد صديق، محمد عيسى دودو، ست النفور أحمد بكار، وعبد السلام كشة، إلى جانب آلاف الأرواح التي ما تزال تكتب معنى التضحية والكرامة .  

 

وفي لحظة امتزج فيها الفن بالوفاء، عرض فيديو إبداعي للفنان عبد المنعم حسن، حمل رسالة إنسانية عميقة تخلد ذكرى الشهداء، مؤكداً أن الفن ليس فقط وسيلة للتعبير، بل ذاكرة تحفظ الحقيقة وتمنح الألم معنى .  

 

وشهد الحفل عرض الفيلم القصير "وردة السودان" أعقبه فيلم وثائقي عن رحلة المهرجان خلال سنواته الأربع، كاشفاً كيف تحولت فكرة بسيطة إلى مشروع ثقافي عابر للحدود، يجمع فنانين من مختلف أنحاء العالم تحت مظلة واحدة .  

 

وفي كلمته، قدم الأستاذ إبراهيم سيد حاج، مؤسس المهرجان، رؤية فكرية عميقة لمسيرة "أبادماك"، مؤكداً أن المشروع انطلق من إيمان حقيقي بقوة الصورة والخيال، وسعى منذ بداياته إلى كسر القوالب التقليدية وفتح مساحات جديدة للتجريب الفني، وأوضح أن الهدف لم يكن تنظيم فعالية عابرة، بل إدراج السودان ضمن الخريطة العالمية للحراك الثقافي، بوصفه فضاء منتجاً للأفكار والإبداع .  

 

وأضاف أن المهرجان نجح عبر دوراته في اكتشاف مواهب جديدة، واستقطاب فنانين من مختلف دول العالم، كما أطلق في دورته الثانية جائزة "الملك أبادماك" التي أصبحت منصة لانطلاق الأعمال نحو مهرجانات دولية مرموقة .  

 

ويعد إبراهيم سيد حاج نموذجاً للفنان الذي صنع مساره بإصرار، إذ بدأ رحلته من القاهرة بدراسة القانون، قبل أن ينحاز للفن، ليصبح واحداً من أبرز الأصوات البصرية في مجاله، عمل رساماً لقصص الأطفال وفنان كاريكاتير، وتعاون مع صحف ودور نشر عربية ودولية، كما أقام معارض تشكيلية حصدت أعماله خلالها جوائز عدة، ووصلت لوحاته إلى مقتنيات فنية عالمية، من بينها متحف الملكة صوفيا بإسبانيا .  

 

وامتد شغفه إلى عالم التحريك، حيث قدم أعمالًا بارزة، منها فيلم ”وينجي“ الذي حصد المركز الثالث في ملتقى القاهرة للتحريك، ومثل السودان دولياً، إضافة إلى فيلم "أحمد كورونا" الذي جاب أكثر من 13 مهرجاناً عالمياً وبلغ نهائيات مهرجان إيران الدولي للتحريك، محققاً جوائز مهمة .  

image-1187.jpeg

 

من جانبها، رحبت الأستاذة كاتيا آيات بالحضور، مؤكدة دعم المعهد الفرنسي للأنشطة الثقافية السودانية، ووصفت المهرجان بأنه جسر للتواصل بين الشعوب، معربة عن أملها في أن يسهم الفن في تعزيز السلام في السودان .  

image-1188.jpeg

كما شهدت الفعالية مشاركة عدد من فناني التحريك من مصر، من بينهم نوران فكري، وأحمد فؤاد مدبولي، إلى جانب المخرج مصطفى الفرماوي، مخرج فيلم «بكار»، في حضور يعكس عمق التبادل الفني بين البلدين ويفتح آفاقاً لتعاون مستقبلي في هذا المجال .  

image-1186.jpeg

أما المخرج البرازيلي رودولفو بينوتي، فقد عبر عن سعادته بالمشاركة، مشيراً إلى أن فيلم "العجلة الحمراء" يمثل تجربة فنية وإنسانية مشتركة جمعته بزوجته، متمنياً النجاح للمهرجان وكافة المشاركين .  

image-1185.jpeg

image-1180.jpeg

وعلى الصعيد الفني، أحيا الحفل الفنان النوبي أمجد صابر، الذي تغنى بروح الأرض والهوية، إلى جانب الفنان كرم مراد، حيث تفاعل الجمهور مع الأغنيات النوبية والسودانية في مشهد احتفالي نابض بالحياة .  

image-1182.jpeg

image-1189.jpeg

مهرجان ابادماك يحمل دلالة تاريخية عميقة، إذ يعود إلى الإله النوبي القديم ذي الرأس الأسدي، رمز القوة في الحضارة المروية، والذي عبد في مناطق عدة بالسودان مثل مروي والنقعة والمصورات الصفراء، في استحضار رمزي يعكس ارتباط المهرجان بالجذور الحضارية والهوية السودانية .  

image-1184.jpeg

في أبادماك، لا تعرض الأفلام فقط… بل تكتب سيرة وطن، وطن مثقل بالجراح، لكنه لا يزال قادراً، على الحلم، وعلى إعادة تقديم نفسه للعالم بلغة الصورة، هنا يصبح فن التحريك أكثر من تقنية بصرية، إنه فعل مقاومة، وذاكرة حية، ومحاولة جادة لالتقاط المعنى وسط الفوضى، وبين لقطاتٍ تتحرك على الشاشة، وأرواح لا تزال حاضرة في الوجدان، يواصل السودان، حتى من خارجه، رحلته نحو الضوء… عبر الفن .  

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان