سرٌّ مدهش في سورة البقرة… لو انتبهتَ إليه، لن تقرأها بعد اليوم بالطريقة نفسها  

الدكتور زغلول  النجار    -رحمه الله  

image-906.jpeg

سورةٌ نقرؤها كثيرًا  

ونسمعها كثيرًا  

وربما نحفظ منها الكثير  

لكنْ  قليلون جدًا من توقّفوا ليسألوا :  

لماذا سُمّيت “البقرة”؟  

ولماذا اجتمع فيها هذا الكمّ الهائل من القصص، والأحكام، والمواقف، والنداءات… في سورة واحدة؟ !  

 

في الظاهر… قد يراها البعض سورة طويلة متعددة الموضوعات .  

لكن في الحقيقة؟  

هي سورةٌ بديعة البناء، محكمة النسق، مترابطة كأنها نهرٌ واحد  

كل آية فيها موضوعة بميزان، وكل مشهد فيها يقودك إلى الذي بعده بإعجازٍ لا يملكه إلا كلام الله     

بعضهم زعم أن السورة بلا ترابط !  

وقالوا: كيف تجتمع 286 آية في 49 صفحة وكلها في موضوعات شتى؟  

لكنهم لم يفهموا أن القرآن ليس كتابًا بشريًا حتى يُقاس بعقولهم المحدودة  

بل هو تنزيلٌ من حكيمٍ عليم .  

لا كلمة فيه زائدة، ولا موضع فيه عبث، ولا ترتيب فيه صدفة  

السر الأول: لماذا سُمّيت “البقرة”؟  

في بني إسرائيل، وقعت جريمة قتل  

قُتل رجل، وضاع القاتل بين الاتهامات والظنون .  

احتار الناس، وذهبوا إلى موسى عليه السلام يسألونه :  

من الذي قتل الرجل؟  

فجاءهم الجواب من السماء… لكنه لم يكن كما توقعوا :  

﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾  

يا الله  

نسألك عن قاتل، فتأمرنا بذبح بقرة؟ !  

هكذا كان استغرابهم .  

لكن المشكلة لم تكن في الأمر  

بل في قلوبٍ تعوّدت الجدل، وتفننت في المماطلة .  

 

بدأوا يسألون :  

ما لونها؟  

ما عمرها؟  

ما صفتها؟  

ولم يكن سؤالهم طلبًا للهداية… بل هروبًا من الامتثال .  

 

ومع كثرة أسئلتهم وتشددهم… شُدِّد عليهم،  

حتى ذبحوها أخيرًا بعد عناء .  

ثم أمرهم الله أن يضربوا القتيل ببعضها  

فحدثت المعجزة !  

قام الرجل من موته، وتكلم، وسمّى قاتله أمام الجميع     

 

وهنا تهتز الروح أمام هذه الآية العظيمة :  

﴿كذلك يحيي الله الموتى﴾   

 

وكأن السورة تعلن منذ وقت مبكر :  

أن الله الذي يحيي ميتًا بكلمة  

قادرٌ أن يحيي قلوبًا ماتت،  

وأممًا سقطت،  

ونفوسًا ضاعت في الظلام .  

السر الثاني: ما الرابط بين موضوعات السورة؟  

السرّ العجيب أن سورة البقرة ليست مجموعة موضوعات متفرقة  

بل هي سورة الخلافة في الأرض،  

وسورة الاختيار بين الطاعة والعناد،  

وسورة التكليف الذي يكشف حقيقة الإنسان .  

 

وكأن السورة تعرض أمامك ثلاثة نماذج كبرى… ثم تسألك في النهاية :  

من منهم ستكون؟  

 

النموذج الأول: آدم عليه السلام  

أول إنسان نزل إلى الأرض  

أخطأ، نعم  

لكنه لم يُكابر، ولم يُجادل، ولم يهرب من الحقيقة .  

أذنب… ثم تاب… فتاب الله عليه     

 

آدم يعلّمنا أن السقوط ليس النهاية  

وأن الخطأ لا يطردك من رحمة الله إذا عرفت طريق الرجوع .  

 

النموذج الثاني: بنو إسرائيل  

جاءهم العلم، والآيات، والأنبياء، والحجج الواضحة  

لكنهم قابلوا ذلك كله بكثرة السؤال، والعناد، والتحريف، والمراوغة .  

شعارهم العملي كان :  

سمعنا… وعصينا .”  

كان يمكنهم أن يكونوا أهل اصطفاء  

لكنهم سقطوا حين قدّموا الجدل على التسليم، والهوى على الطاعة .  

 

النموذج الثالث: إبراهيم عليه السلام  

وهنا يظهر النموذج الأكمل  

إبراهيم الذي سلّم قلبه كله لله .  

لم يناقش أمر الله بعناد،  

ولم يتردد في الامتثال،  

بل مضى بقلبٍ ممتلئٍ يقينًا وتسليمًا .  

 

حتى قال الله عنه :  

﴿إني جاعلك للناس إمامًا﴾   

 

إبراهيم هو صورة الإنسان الذي نجح في امتحان الخلافة  

لأنه أطاع، وصدّق، وسلّم، وثبت .  

 

ثم يأتي السؤال الكبير  

بعد هذه النماذج الثلاثة، كأن سورة البقرة تلتفت إليك مباشرة وتقول :  

الآن عرفت الطريق  

ورأيت النماذج  

وفهمت العاقبة  

فمن تكون أنت؟  

 

هل ستكون مثل آدم  

تخطئ، لكنك تعود؟  

 

أم مثل بني اسرائيل  

تجادل، وتماطل، وتعرف الحق ثم تبتعد عنه؟  

 

أم مثل إبراهيم  

تسمع فتطيع، وتُؤمر فتسلم، وتثق بربك بلا تردد؟  

 

ومن هنا نفهم لماذا جاءت الأحكام والتشريعات في السورة بعد ذلك بكثرة :  

الصيام، والقتال، والطلاق، والنفقة، والدَّيْن، والقبلة، وسائر الأوامر  

كأن الله يقول لك :  

الآن عرفت النماذج… فهذا وقت الامتحان الحقيقي .  

 

المشهد الختامي الذي يذيب القلب  

حين نزل قول الله تعالى :  

﴿لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾  

 

ارتجفت قلوب الصحابة     

وجاؤوا إلى النبي ﷺ وقالوا :  

يا رسول الله، كُلِّفنا ما نطيق: الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة  

أما هذا فلا نطيقه !  

يشارك:
علي سلطان
علي سلطان